السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
356
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
أقدم الأديان وأصحها ( إِنَّ الْهُدى ) إلخ اعتراضية أيضا ، وقد أتى بها بمعنى أن الذي أنتم عليه إنما صار دينا بحكم اللّه وهو الهدي الذي هدى الناس إليه وأمر باتباعه ، فإذا أمر باتباع دين غيره وجب الانقياد إليه إذعانا لحكمه ولكنه لم يأمر . وقال بعض المفسرين انتهى ما حكاه اللّه عن اليهود عند قوله ( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) وما بعد خطاب لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعليه تتجه قراءة الحسن والأعمش ( أَنْ يُؤْتى ) بكسر الهمزة ( من إن ) وما جرينا عليه أولى لسلامة الآية عن التبعيض ولمناسبتها لسياق ما بعدها وكون التفضيل المنبئة عنه هذه الآية أولى بأن يعزى لسيد الأنبياء وسيد الكتب وخير الأمم . وهذه الآية من أصعب آيات القرآن تفسيرا بعد سورة البينة ، والآية 108 من المائدة الآتيتين ، هذا واللّه أعلم ، وهو الذي « يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » من خلقه « وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » ( 74 ) الذي لا يوازيه فضل . تشير هذه الآية إلى أن فضل اللّه ورحمته لا يتقيدان بسبب ولا علة وان من هداه اللّه لحقه عن يقين لن يرجع عن هداه بترهات المبطلين ، وان التذبذب في الإنسان دليل على عدم صحة عقيدته . قال تعالى مبينا شأن أولئك الظالمين « وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ » عندما تطلبه منه دون مماطلة أو جحود تقيّدا بما أمرهم اللّه به من أداء الأمانة « وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً » بالمطالبة والإلحاح « ذلِكَ » عدم أدائه الأمانة ناشئ عن استحلال مال من لم يكن على دينهم خلافا لدينهم « بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ » أي ليس عليهم إثم في أكل أموال الأميين أمة محمد لأنهم على غير دينهم ويعزون هذا إلى التوراة ، فكذّبهم اللّه بقوله « وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » بنسبة ما لم يذكره في كتابهم إليه « وَهُمْ يَعْلَمُونَ » ( 75 ) أنه كذب ، والواو هنا حالية أي يقولون ذلك والحال أنهم يعلمون خلافه وعدم صحته . قالوا نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن سلام إذ أودع عنده رجل من قريش قبل إسلامه ألفا ومائتي أوفية من ذهب فأداها إليه حال طلبه والشق الأخير منها في فنخاص ابن عازوراء إذ استودعه رجل من العرب دينارا واحدا فجحده ولم يؤده إليه إلا بعد